سر من أسرار الدولة .. لماذا أخفت الصين عن شعبها والعالم قصة هذا الفيروس الغامض؟

7,722 تعبيرية 0 تعبيرية

تعبيريةفي نهاية عام 2002، ظهرت شائعات في مقاطعة جوانجدونج الصينية تتحدث حول انتشار مرض مجهول لا اسم له يصيب الناس بنوع غير شائع من الالتهاب الرئوي الحاد الذي ينتهي بموتهم. وظهرت الحالات الأولى في مدينة فوشان بمنتصف نوفمبر، قبل أن ينتقل المرض إلى مدن أخرى داخل المقاطعة.

ورغم تزايد عدد المصابين بالمرض الغامض وكذلك عدد الوفيات الناتجة عنه لكن لم تصرح لا الحكومة المحلية ولا الحكومة المركزية في بكين بأي شيء عنه، وهو ما ساهم في توسعة رقعة انتشاره في ظل عدم وعي لدى كثيرين بوجود المرض من الأساس.

المحاكمة لمن يحذر الناس

رغم استمرار انتشاره بوتيرة متسارعة بين الناس، فضلت الحكومة الصينية إخفاء الأمر عن مواطنيها وعن العالم أجمع، ولم تسمح كذلك لأحد بأن يصرح بأي شيء. فبموجب القانون الصيني، تعتبر أخبار الأمراض المعدية سرًا من أسرار الدولة لا يسمح لأحد بالحديث عنها سوى وزارة الصحة والأجهزة المصرح لها بذلك.

وهذا يعني، أن أي طبيب أو صحفي يكشف عن أي معلومات عن المرض محاولًا تحذير الناس منه يعرض نفسه لخطر المحاكمة بتهمة تسريب سر من أسرار الدولة.

في إطار سعيها لإخفاء الأمر بقدر الإمكان وتضليل العامة، وجهت الحكومة الصينية الصحف الحكومية بالخروج على الناس بعناوين من نوعية "الوباء ليس سوى شائعة" وهو العنوان الذي تصدر صحيفة "Heyuan Daily" في الرابع من يناير 2003، بينما نشرت صحيفة "News Express" في العاشر من الشهر ذاته مقالًا تحت عنوان "لا داعي للقلق".

لكن محاولة الحكومة لإيهام الناس بعدم وجود ما يقلق وبسيطرتها على الوضع فشل فشلًا ذريعًا مع تبادل الناس للأخبار حول المرض الغامض القاتل عبر الرسائل النصية من خلال الجوالات المحمولة وعبر المنتديات الموجودة على الإنترنت. ومع خروج الأمر عن السيطرة لم تجد الحكومة الصينية بدًا من الاعتراف بوجود المرض.

العالم يتحد

في أوائل فبراير من عام 2003 قامت وزارة الصحة الصينية بإبلاغ منظمة الصحة العالمية بأنه اعتبارًا من نوفمبر 2002 أصيب حوالي 305 أشخاص في 13 مدينة بمقاطعة جوانجدونج الواقعة في جنوب البلاد بمرض تنفسي حاد أودى بحياة خمسة منهم.

وعلى الرغم من أن أعراض ذلك المرض كانت تشبه تلك الخاصة بمرض الإنفلونزا إلا أن نتائج الاختبارات المعملية أشارت إلى أنه مرض مختلف. وبعد أسبوعين من تلقي منظمة الصحة العالمية تلك الأخبار، أصيب رجل عائد إلى فيتنام من رحلة إلى الصين وهونج كونج بمرض تنفسي حاد نقل على إثره إلى المستشفى في هانوي.

استمر تلاحق الأخبار حول ظهور إصابات جديدة. وبحلول مارس 2003 بدا واضحًا أن السارس – وهو الاسم الذي أطلق على المرض الغامض – لم يكن نوعًا جديدًا من الإنفلونزا ولكنه مرض جديد ومختلف تمامًا. وعلى الفور أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا عالميًا بشأن السارس قبل أن تحذر الناس من السفر إلى جنوب آسيا.

بمجرد إصدارها تحذيرًا عالميًا، بدأت منظمة الصحة حملة عالمية سعيا لإيجاد علاج للسارس. وفي يومي 15 و16 مارس 2003، اتصلت المنظمة بأحد عشر مختبرًا بحثيًا في دول مختلفة حول العالم من بينها فرنسا وألمانيا وهولندا واليابان والولايات المتحدة وهونج كونج وسنغافورة وكندا والمملكة المتحدة والصين، وطلبت منهم العمل على تحليل الفيروس وإيجاد لقاح له.

وافقت فورًا جميع المختبرات البحثية التي تواصلت معها المنظمة على المشاركة، وفي السابع عشر من مارس أطلقت منظمة الصحة العالمية مشروعًا بحثيًا تعاونيًا متعدد المراكز. يوميًا وعلى مدار الساعة كان الباحثون في المختبرات الـ11 حول العالم يتواصلون هاتفيًا ليناقشوا نتائجهم وآخر ما تم التوصل إليه.

على موقع منظمة الصحة العالمية على شبكة الإنترنت، نشرت المختبرات المشاركة بالمشروع صورًا مجهرية للفيروسات المستخلصة من دم الضحايا، ونتائج التحليلات المعملية لهذه الفيروسات، مما سمح لهم جميعًا من التأكد من عمل بعضهم البعض والتعلم منه.

نظرًا لطريقتهم في التعاون، تمكنت المختبرات المختلفة من العمل في نفس الوقت على نفس العينات مما زاد من سرعة وفاعلية اختباراتهم. وبعد 11 يومًا من انطلاق المشروع انضم إليه مختبران بحثيان من الصين.

ليلة القبض على الفيروس

بحلول 21 مارس، تمكن العلماء في المختبر البحثي التابع لجامعة "هونج كونج" من عزل فيروس رجحوا بشكل كبير أنه الفيروس المسبب للمرض. وفي نفس اليوم وبشكل منفصل نجح العلماء في مراكز مكافحة الأمراض (CDC) بالولايات المتحدة بعزل فيروس بدا تحت المجهر الإلكتروني مشابهًا جدًا لما يسمى بفيروس كورونا.

شكلت هذه النتائج مفاجأة كبيرة للأوساط البحثية حول العالم، وذلك لأنه حتى ذلك الوقت كان المعروف عن فيروسات كورونا أنها تصيب الحيوانات وربما تتسبب في موتها ولكن آثارها على البشر وكذلك احتمال انتقالها إليهم كانت ضعيفة جدًا.

في الأسبوع التالي، قامت المختبرات الـ13 باستخلاص الفيروس التاجي من مجموعة واسعة من العينات المأخوذة من أشخاص أصيبوا بالسارس. وبدأت المختبرات في كل من ألمانيا وهولندا وهونج كونج تحديدًا بالعمل على تحليل تكوين السارس.

بحلول السادس عشر من أبريل، أي بعد شهر واحد فقط من بدء تعاونهم كانت المختبرات واثقة بما يكفي للإعلان عن أن أحد الفيروسات المنتسبة لعائلة "كورونا" الفيروسية هو المتسبب بمرض السارس. وربما أكثر ما يثير الإعجاب حول ذلك الإنجاز الكبير هو أنه كان نتاج جهد تعاوني، بمعنى أنه لا يمكن الإشارة إلى جهة محددة باعتبارها صاحبة الفضل في اكتشاف سبب السارس.

يشير الخبراء إلى أنه لم يكن بوسع أي مختبر بحثي في العالم التوصل بمفرده إلى تلك النتائج في هذه الفترة القياسية، موضحين أنه في غياب ذلك التعاون كان الأمر ربما سيستغرق شهورًا وربما سنوات قبل أن يصل أي مختبر أو شخص إلى نتائج حاسمة.

بالتأكيد، كان من الممكن التعرف على المرض قبل ذلك التاريخ بشهور لو أن الحكومة الصينية لم تتعمد إخفاء الأمر عن مواطنيها وعن العالم، وهو ما كان من الممكن أن يساهم في إنقاذ أرواح المئات ممن راحوا ضحية لهذا المرض.