هل هي التكلفة؟.. لماذا تقوم "أبل" بتصنيع الآيفون في الصين؟

7,242 صورة 0 صورة

صورةفي فبراير من عام 2011 انضم الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" إلى مأدبة عشاء يحضرها أشهر المديرين التنفيذيين بوادي السليكون. وخلال ذلك الحفل طُلب من كل ضيف أن يطرح سؤالاً على الرئيس.

بدأ الحضور في توجيه الأسئلة إلى الرئيس تباعاً إلى أن جاء الدور على مؤسس "أبل" ورئيسها التنفيذي الراحل "ستيف جوبز". ففي أثناء حديثه قاطعه "أوباما" سائلاً إياه عما تحتاجه "أبل" كي تعيد أنشطة التصنيع الخاصة بمنتجاتها إلى الولايات المتحدة.

"لماذا لا تعود هذه الأنشطة وما تخلقه من وظائف إلى داخل الوطن؟" هكذا سأل "أوباما"، وذلك قبل أن يفاجئه "جوبز" بإجابة قاطعة وصادمة في الوقت ذاته حيث قال: "سيدي الرئيس هذه الوظائف لن تعود أبداً للولايات المتحدة".

صورة

إذا نظرت إلى الجزء الخلفي لأيٍّ من أجهزة "أبل" كـ"آيفون" و"آيباد" ستلاحظ وجود عبارة بالإنجليزية تقول "صممته آبل في كاليفورنيا وتم تجميعه في الصين".

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا؟ أو ما السر؟ لماذا تتركز أغلب أنشطة التصنيع الخاصة بمنتجات "أبل" خارج الولايات المتحدة وتحديداً في الصين؟ هل هي التكلفة أم هناك عوامل أخرى تجعل الشركة الأمريكية ترفض بشدة حتى التفكير في مسألة نقل أنشطتها الإنتاجية إلى داخل الولايات المتحدة؟

وبشكل أعم، لماذا ترفض شركات الإلكترونيات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها توطين أنشطتها التصنيعية في الداخل الأمريكي وهو ما سوف يساعد على خلق فرص عمل للأمريكيين وتعزيز نمو الاقتصاد؟

لا تستطيع حتى لو أرادت!

في يناير من عام 2012 نشرت "نيويورك تايمز" تقريراً مدروساً للغاية حاولت فيه الإجابة عن تلك الأسئلة. وبعد سلسلة من المقابلات التي أجرتها مع مديرين تنفيذيين سابقين وحاليين بالشركة أوضحت الصحيفة أن إجابة تلك الأسئلة سهلة ومباشرة جداً.

ببساطة "أبل" لا تقوم بالتصنيع في الولايات المتحدة لأنه لا يمكنها ذلك حتى لو أرادت، والسبب هو أن الولايات المتحدة تفتقر إلى البنية التحتية وسلاسل الإمداد والقوى العاملة اللازمة لدعم أنشطة "أبل" التصنيعية. لذلك فالأمر يتجاوز فكرة التكلفة المنخفضة بكثير.

المصنع الصيني الرئيسي الذي تقوم فيه "فوكسكون" التايوانية بتصنيع معظم أجهزة "آيفون" يضم نحو 230 ألف عامل مدرب، وهذا رقم ضخم جداً من الصعب توافر مثله داخل أمريكا.

على مدار الأعوام العشرة الماضية خرجت الكثير من التقارير التي تتحدث عن ظروف العمل في المصانع المملوكة لـ"فوكسكون" وهي الشركة المسؤولة عن تجميع الإلكترونيات لصالح كبريات الشركات في العالم بما في ذلك "أبل".

وفقاً لتلك التقارير يعيش نحو ربع العمال البالغ عددهم نحو 230 ألفاً في مساكن أشبه بمساكن الطلبة موجودة في حرم المصنع، وهذا يعني أن نحو 60 ألف شخص يعملون ويعيشون داخل المصنع، وهو ما يوفر للشركة عنصر السرعة والإنجاز.

يعمل جزء كبير منهم 12 ساعة في اليوم لستة أيام في الأسبوع ويكسبون أقل من 17 دولاراً في الساعة. بالمعايير الأمريكية تعتبر هذه الظروف غير إنسانية بالمرة ولكن في الصين يعتبر ذلك رفاهية تتنافس القوى العاملة عليها لدرجة تجعل "فوكسكون" قادرة على ملء آلاف الوظائف الشاغرة في ساعات.

يشرف على العملية الإنتاجية داخل المصنع نحو 8700 مهندس. ووفقاً لتقديرات "نيويورك تايمز" إذا أرادت "أبل" العثور على هذا العدد من المهندسين المؤهلين في الولايات المتحدة لتوظيفهم سيستغرق الأمر نحو 9 أشهر، في حين يمكنها العثور على نفس العدد في الصين خلال 15 يوماً فقط.

التكلفة .. العنصر الحاسم؟

باستثناء المعالج، يتم تصنيع معظم المكونات المستخدمة في صنع جهاز الآيفون خارج الولايات المتحدة في أماكن تقع بالقرب من المصنع الذي تتم فيه عملية التجميع. وقيام "أبل" بتصنيع تلك المكونات داخل أمريكا وشحنها إلى مصانع التجميع خارج الولايات المتحدة لن يؤدي إلى ارتفاع التكاليف فقط بل وإلى تأخر الإنتاج وهو ما يشكل كابوساً للشركة الأمريكية.

الكثيرون حين يحاولون تفسير سبب لجوء شركات الإلكترونيات الأمريكية بما في ذلك "أبل" إلى نقل أنشطة التصنيع إلى خارج الولايات المتحدة يركزون بشكل كبير على مسألة التكلفة. ففي النهاية يقول المنطق إن صنع جهاز مثل "الآيفون" في أمريكا سيكلف أكثر من صنعه في الصين لأن الضرائب ورسوم التأمين في الولايات المتحدة أعلى وكذلك أجور العمال، وهو ما سيؤثر في النهاية على هوامش الربح الخاصة بالشركات.

ولكن نقطة التكلفة هذه مبالغ فيها إلى حد كبير وتم تحميلها أكثر مما تحتمل لدرجة أن البعض ادعى أن "الآيفون" سيكلف آلاف الدولارات لو تم تصنيعه بالكامل في الولايات المتحدة. ولكن في الواقع لا يمكن بأي حال الإشارة إلى التكلفة باعتبارها السبب الرئيسي وراء لجوء "أبل" ومثيلاتها إلى بلد كالصين لأن فارق التكلفة في الحقيقة ليس ضخما كما يتصور البعض.

إن السبب الرئيسي الذي يدفع "أبل" لصناعة أغلب منتجاتها في الصين هو عامل السرعة والإنجاز. فالأمر بالنسبة للشركة الأمريكية يتعلق بمن يمكنه صناعة أكبر عدد ممكن من أجهزة "آيفون" في أقصر فترة زمنية ممكنة وبأعلى جودة مع الحفاظ على المرونة والقابلية للتكيف مع احتياجات "أبل". والصين تتفوق على الولايات المتحدة بشكل واضح في تلك الزاوية، وهو ما تأكدت منه "أبل" قبل نحو 12 عاماً.

ورطة 2007

في منتصف عام 2007 وتحديداً قبل 6 أسابيع من إعلان "أبل" النسخة الأولى من جهازها الأشهر "آيفون" أدرك "ستيف جوبز" أن قرار الشركة بتصنيع شاشة الجهاز من البلاستيك كان فكرة حمقاء، وذلك بعد أن لاحظ وجود عشرات الخدوش على شاشة النسخة الأولية من الجهاز التي كان يحملها في جيب بنطاله الجينز.

حينها اجتمع "جوبز" على الفور بمديري الشركة وقال لهم "لن أبيع منتجاً قابلاً للخدش. أريد شاشة زجاجية، وأريدها أن تكون جاهزة خلال 6 أسابيع".

أي شخص كان يعرف "جوبز" وطريقة عمله يعرف أنه شديد الجدية ولا يتهاون أبداً مع أي تقصير، وإذا لم يتم تصنيع الآيفون بالمعايير التي يريدها فلن يطرحه للبيع مهما كانت العواقب، وإدراكاً منهم لحجم الورطة سارع مديرو "أبل" إلى البحث بسرعة عن البديل المناسب للشاشة التي تعتبر أحد المكونات الرئيسية للجهاز.

أدركت الشركة أنها ستحتاج إلى شهور إذا أرادت تصنيع تلك الشاشة في الولايات المتحدة. ولذلك سافر على الفور أحد مديري الشركة التنفيذيين إلى الصين وتحديداً إلى مدينة شينزين التي تعد أحد أكبر المناطق الصناعية بالبلاد. وهناك حصلت "أبل" على مرادها.

لكن الطريف هو أن الشركة التي قامت بتصنيع الشاشات الزجاجية لـ"أبل" في الصين هي شركة "كورنينج" الأمريكية التي تتخذ من نيويورك مقراً لها. ولكن لنفس أسباب "أبل" نقلت الشركة أنشطة التصنيع الخاصة بها إلى الصين لكي تصبح بالقرب من مصانع التجميع الخاصة بعملائها الرئيسيين والذين يتواجدون في تايوان وكوريا واليابان والصين.

نعم، "أبل" وغيرها من الشركات الأمريكية تستفيد من التكلفة المنخفضة للتصنيع في الصين، ولكنها في الوقت ذاته لا تستطيع نقل أنشطتها إلى الوطن لأن الولايات المتحدة تفتقر إلى ما تحتاجه هذه الشركات من بنية تحتية وسلاسل إمداد وكذلك إلى الأعداد الكافية من المهندسين والعمال المهرة.