الفقهاء ينقسمون حول مصير من يموت نتيجة التفحيط.. منتحر.. مفرط.. ملق لنفسه في التهلكة.. حسب نيته

12,714 0

يسهم الشباب المفحطون في إزهاق أرواحهم وأرواح غيرهم، عبر ممارستهم “لعبة الموت” وهواية ركوب الخطر، ليتسببوا في خسارة الوطن لمجموعة من الشباب، هو محتاج لهم ليكونوا عماده في المستقبل.
وفي ظل غياب الأرقام والإحصاءات، التي تشير بوضوح إلى ضحايا التفحيط من القتلى أو المصابين بإعاقات وعاهات مستديمة، تنشط الجهات الأمنية والصحية والاجتماعية في توعية الشباب بخطورة ممارسة هذه الهواية المميتة، لما فيها من خطورة على حياة الشباب، إضافة لإضاعة الوقت، وتبديد الأموال في السيارات، التي تتعرض لأضرار بسبب التفحيط.
وتثار العديد من التساؤلات في مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات عن أعداد من يموتون بسبب التفحيط، وهل بالفعل أن عددهم يفوق من ماتوا في العمليات الإرهابية، التي نفذت في المملكة في سنوات سابقة. إلا أن السؤال الأكثر أهمية، هو مصير من مات بسبب التفحيط من المفحطين أنفسهم؟ وهل يدخلون في دائرة المنتحرين أم لا؟ وما حكم من يشاهد، ويشجع المفحطين في بعض الساحات التي يمارس فيها بعض الشباب هذه الهواية في مختلف مدن المملكة؟
“الشرق” فتحت الملف من جانب فقهي، متسائلة عن مصير المفحطين؟ وهل يدخلون في دائرة المنتحرين أم لا؟ وحكم مشاهدة التفحيط وتشجيعه؟ وهل من يموت من الجمهور آثم؟!، ولمعرفة الإجابة على هذه التساؤلات استطلعت آراء كبار الفقهاء والعلماء.

جنون وعبث

وصف نائب رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين عضو المجامع الفقهية الدكتور عبدالله بن بيه، التفحيط بالجنون والعبث، مؤكداً أنه لا يمكن لشخص عاقل، بكامل وعيه، أن يقوم بهذه المغامرة، التي نادراً ما يخرج منها المفحط سالماً.
وأكد بن بيه أن المفحط يرتكب محرماً، مشيراً إلى أنه لا يمكن الجزم بأن يصل لدرجة المنتحر، لأن ذلك عائد لنيته، وحقيقة وعيه لحظة ممارسته التفحيط.
وطالب نائب رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين بإنزال أقصى العقوبات بالمفحطين لما يقمون به من حركات عبثية بالسيارة، تذهب بحياتهم وحياة من يشاهد هذا العبث.

أقرب للانتحار                                                                                                     

وأوضح المستشار في الديوان الملكي، عضو هيئة كبار العلماء، عضو اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث، الدكتور عبدالله المطلق، أن من يموت في التفحيط أقرب للمنتحر، لأنه يعمل عملا يغلب على من يقوم به الهلاك، مشيراً إلى أنه إذا وقع الحادث، فإنه في غالب الظن سيموت، مؤكداً أن من يفحط يعرف أنه إذا وقع بقوله تعالى، “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة إن الله كان بكم رحيما”، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: “من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يديه ‏يتوجأ ‏بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً”.
وشدد عضو هيئة كبار العلماء على أن التفحيط “جريمة وضعف عقل”، مشيراً إلى أن المفحطين يضيعون أوقاتهم، ويهدرون أموالهم، ويعرضون أرواحهم مع أرواح من معهم للخطر، داعياً لضرورة التصدي للمفحطين بإنزال العقوبات الرادعة لهم.
وأضاف المطلق، “ما يظهر لي، وهو أقرب للظن، أنه منتحر، لأنه يعمل عملاً يعرف أن نهايته الموت، وسبحانه وتعالى يقول: “ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا”.

صور متعددة

ورفض عضو هيئة كبار العلماء، عضو اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث، الدكتور أحمد السير مباركي، تعميم حالة واحدة على مصير المفحط، مبيناً أن هناك صورا متعددة ترتبط بنية المفحط، ومعرفته ووعيه.
وأضاف، “إذا كان شاباً ولا يبالي بما يجري له ومات تحت التفحيط، فلا يمكن أن نقول عنه أنه منتحر”.
وزاد، “أما إذا كان يعرف أن مصير المفحط، وهو للهلاك أقرب، فيظن أنه أقرب للمنتحر”، مؤكداً أنه ليس كل مفحط منتحراً، ولابد أن تعرض الصورة شاملة، على الفقيه حتى يدرسها من كل جوانبها، وينزل الحكم المناسب لكل حالة.
وقال السير مباركي: “إذا كان شخصان يقومان في الحارة بالتفحيط فأنا لا أعده إهلاكا للنفس يصل حكمهما لدرجة المنتحرين”، مبيناً أن غالبية من يموتون في التفحيط، هم من متعاطي المخدرات والمسكرات.
وأبان عضو هيئة كبار العلماء أن حكم المفحط يعود لولي الأمر، وهو ينشئ النظام الذي يحكم عليه به، حتى يهتدي، سواء بالسجن، أوغيره، كي يرتدع الآخرون.

فعل الانتحار

ورأى عضو هيئة كبار العلماء، عضو المجلس الأعلى للقضاء، الدكتور علي الحكمي، أن المفحط لا ينوي الانتحار، لكنه فعل فعل الانتحار، وهو أمر لا يجوز شرعاً.
وأبان أن التفحيط يؤدي إلى التهلكة، وسبحانه جل وعلا يقول: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”، مشيراً إلى أن المفحط يستعمل أداة السيارة في غير محلها، وبغير القدر المتاح.
وقال، “لا شك أن هذا يعد إهلاكا للنفس، لكن لا يمكن تسميته بالانتحار، وإنما فعل نهى الله عنه”.
ووصف الحكمي من يقفون ليشجعوا ويصفقوا للمفحطين بأنهم “مفرطون”، مطالباً كل مسلم يرى منكراً أن يغيره بلسانه، ولا يساعد الشباب على التجمهر والتشجيع، فإن لم يستجيبوا لذلك، فلابد من أن يبلغ الجهات الرسمية لاتخاذ الأمر المناسب لإيقاف المفحطين، قبل حصول حوادث مميتة تزهق أرواح الشباب.

أحكام المنتحر

وعد أستاذ الفقه في جامعة القصيم، الدكتور خالد المصلح، أن من مات بسبب التفحيط ليس منتحراً، معللاً ذلك بأن المفحط لم يقصد أن يقتل نفسه، وإنما يخشى عليه أن يكون مصيره مصير من يلقى نفسه في التهلكة، الذي نهى الله عنه في كتابه الكريم.
وأشار المصلح إلى أن الجزم بمصير المفحط يترتب عليه تطبيق أحكام المنتحر، وهناك فرق واضح بين من فعل شيئاً متعمداً، ومن فعل شيئاً فيه خطر على نفسه، ولم يقصد أن يقتل نفسه، مشبهاً المفحطين بمن يتسلقون الجبال الشاهقة، ويركبون الأخطار في بعض الرياضات، مثل المشي على الحبال، مؤكداً أن هذه الأفعال لا تسمى انتحارا، وإنما إلقاء للنفس في التهلكة.
وشدد المصلح على أن من يموتون وهم يشاهدون استعراضات الشباب بالسيارات، ليسوا منتحرين أيضاً، وإنما عرضوا أنفسهم للخطر عندما وقفوا مشاهدين ومشجعين للتفحيط، وينطبق عليهم، إلى حد ما، ما ينطبق على المفحطين، لكن بدرجة أقل.
وأفاد المصلح أن القول لمن مات بسبب التفحيط بأنه “منتحر” فيه نوع من المجازفة، فلا يجوز التوصيف بما يترتب عليه أحكام شرعية، داعياً لتوخي الحذر والدقة، وتجنب العواطف، لأنه عندما يتم الحكم عليه بهذا الحكم، فيترتب على ذلك ترك الصلاة عليه من أهل العلم والفضل والصلاح والوجهاء، موضحاً أن من يصلي عليه فقط، هم أهله وذووه، مطالباً الفقهاء بالتريث، وعدم الحكم على من يموت نتيجة للتفحيط بـ”المنتحر”، لأنه سيدخل في وعيد المنتحرين، محذراً، في الوقت نفسه، من المبالغة في وصف فعل ما من أجل تحذير الناس منه.

إزهاق للروح

واتفق عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء، الدكتور هشام آل الشيخ، مع الرأي القائل بأن التفحيط من إلقاء النفس في التهلكة، ولا يدخل في دائرة الانتحار.
وقال، “لا شك أن التفحيط هو استخدام السيارة لغير ما صنعت له، ويؤدي إلى التهلكة، التي حذر الله منها”. واستدرك “لكن يخشى عليه من الانتحار، ولكن لا يجزم بأنه بالفعل انتحر، وهو تحت مشيئة الله، فإن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، شريطة أن يكون قد مات على التوحيد”، مؤكدا أن من يموت في التفحيط يعد منتحرا في حالة واحدة، إذا قصد الموت.
ودعا آل الشيخ الشباب أن يتقوا الله سبحانه وتعالى في أنفسهم، وأن يحافظوا على أرواحهم وممتلكاتهم، ولا يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، ويستخدموا السيارة للغرض التي صنعت من أجله.
وبين أن من يموتون وهم يشاهدون التفحيط في الحكم سواء مع المفحطين، مشيراً إلى أنهم عصاة، لأنهم شاركوا في إلقاء أنفسهم في التهلكة، مبيناً أن كثيرا ممن يشاهدون هذه الاستعراضات يتعرضون لإعاقات وشلل، وبالتالي فهم يتعرضون لعقوبة دنيوية قبل العقوبة الأخروية.
ودعا أستاذ المعهد العالي للقضاء بضرورة الإبلاغ عن المفحطين حفاظاً على أنفسهم وإبعاد الشر عنهم، مؤكداً عدم جواز التفحيط ومشاهدته، لما يترتب عليه من أضرار بالحياة والبدن والصحة، وهي من الضرورات الخمس التي نادى الشرع بالحفاظ عليها.